بهاء الدين الجندي اليمني

400

السلوك في طبقات العلماء والملوك

ذلك بل لاطفه وأخذه بالحيل « 1 » حتى نزل ودرس ، وكان جيّدا صالحا ورعا زاهدا ، وقد أخذ عن الفقيه محمد وولده جماعة فممن أخذ عن الفقيه محمد القاضي محمد بن علي حاكم تعز في صدر الدولة المظفرية ، وسيأتي ذكره إن شاء اللّه ، وتوفي ابنه بقريته . ومن عجيب ما رأيته في سفري في دخولي إلى قريتهم بالتاريخ المذكور ، معلقا بشيء من كتبهم ، ما مثاله : أيام مولانا السلطان الملك المنصور خلد اللّه نعمته في تعز المحروس في شهر رمضان من سنة ثلاثين وستمائة وفي مجلس السماع أنه أخبره الفقيه علي الصقلي بمكة حرسها اللّه تعالى أنه لبث اثنتي عشرة سنة يسأل اللّه أن يريه النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأراه إياه في الحجر في النوم وكأنه عليه السلام يطوف بالكعبة وعليه ثوب أبيض كأنه محرم فيه فقال له : يا رسول اللّه إني أريد أن أسألك ، فوقف صلّى اللّه عليه وسلم عن الطواف بين رجلين وقال سل فقلت : يا رسول اللّه ، الأمة اختلفت بعدك فأمرني ما أفعل فقال عليك بالسواد الأعظم ، فقلت : يا رسول اللّه : إن السواد الأعظم اختلفوا بعدك على أئمة ، فقال لي من هم ؟ فقلت : يا رسول اللّه ، الحنفيّ ، فأشار لي بيده اليمنى وحرك أصابعه وقال لي : دع ، فقلت : يا رسول اللّه ، المالكيّ ، قال : ذلك رجل نقل عني ظواهر حديثي ، فقلت : الشافعي ، فقبض الخنصر والبنصر والوسطى إلى راحته وقبض رأس السبابة إلى باطن الإبهام ، كأنه عاقد عشرة « 2 » وقال : ذلك رجل ينقل عني محض حديثي ، ونقض يده كرّر ذلك ثلاثا يقبض أصابعه وينقضهن . قال الراوي وكان ذلك بالحجر بين النائم واليقظان ، قال المنصور : وكان الراوي مالكي المذهب ، وظن أنه يذكر مالكا يشير له إلى اتباعه ، ومن وقت أشار له النبي صلّى اللّه عليه وسلم باتباع الشافعي لم يزل يصلي مع الشافعية ، ثم في آخر ما كتبه الفقيه عمر ما مثاله بخط المنصور : هو كما ذكر فليرو عنّي ، وكتب عمر بن علي بن رسول ، ومن أحسن ما رأيته معلقا بخطه ما كتبه عقب سماع البخاري إذ كتبه لقوم إجازة لهم شعر « 3 » : فيا سامعا ليس السماع بنافع * إذا أنت لم تعمل بما أنت سامع إذا كنت في الدنيا عن الخير عاجزا * فما أنت في يوم القيامة صانع ؟

--> ( 1 ) في « ب » بالجميل . ( 2 ) هذا إشارة إلى طريقة العرب في العدد وهي معروفة في كتب اللغة ، انظر سبل السلام ج 1 ص 259 ، وكذا في كتب الفقه . ( 3 ) لفظ شعر غير موجود في « ب » .